أحمد مصطفى المراغي

123

تفسير المراغي

ثم أبطل السببين الأولين وأثبت الثالث فقال : ( بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) أي ليس العدول إلا للسبب الأول فحسب ، فهم ما عدلوا إلا لما في قلوبهم من المرض والنفاق ، وظلمهم لأنفسهم بمخالفة أمر ربهم ومعصيتهم له فيما أمرهم به من الرضا بحكم رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم فيما أحبّوا وكرهوا ، والتسليم لقضائه . وبعد أن نفى عنهم الإيمان الحق بين صفات المؤمن الكامل فقال : ( إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) أي ينبغي أن يكون قول المؤمنين إذا دعاهم الداعون إلى حكم اللّه ورسوله فيما بينهم وبين خصومهم - سمعنا كلامكم وأطعنا أمركم ، وأولئك هم الفائزون بكل مطلوب ، الناجون من كل مخوف . وبعد أن رتب الفلاح على هذا النوع من الطاعة أتبعه ببيان أن كل طاعة للّه ورسوله موجبة للفوز فقال : ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ ) أي ومن يطع اللّه ورسوله فيما أمراه به وترك ما نهياه عنه ، ويخش اللّه فيما صدر منه من الذنوب فيحمله ذلك على الطاعة وترك المعاصي ، ويتقه في مستأنف أموره ، فأولئك الذين وصفوا بكل هذا هم الفائزون برضاه عنهم يوم القيامة ، والآمنون من عذابه . ثم حكى سبحانه نوعا آخر من أكاذيب المنافقين بقوله : ( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ) أي وحلفوا باللّه جاهدين أيمانهم بالغين غايتها - لئن أمرتهم بالخروج للجهاد والغزو ليلبّنّ الطلب وليخرجنّ كما أمرت . والخلاصة - إنهم أغلظوا الأيمان وشددوها في أن يكونوا طوع أمرك ورهن اشارتك وقالوا : أينما تكن نكن معك ، فإن أقمت أقمنا ، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا فرد اللّه عليهم وزجرهم عن التفوّه بهذه الأيمان الفاجرة وأمره أن يقول لهم :